محتويات العدد
■ المحمولات السياسيّة للاستشراق
حسن أحمد الهادي
■ تكريس النصّ القرآنيّ: نظرة تاريخيّة
جوشوا ج. ليتل ـ ترجمة د. علي الرضا رزق
■ القرآن الكريم ومشروع بناء الحضارة الإسلاميّة الحديثة؛ دراسة تحليليّة لآراء المستشرقين
مهدي كنجور؛ علي بنائيان أصفهاني
■ منهج يوهان فوك في ضوء المدرسة الاستشراقيّة الألمانيّة (دراسة نقديّة مقارنة)
إسراء كريم عبد الامير الكشوان ـ فاطمه دست رنج
■ التنمية ومهمّة التحضّر للمرأة البريطانيّة في المستعمرات؛ تحليل استشراقي
زينب قاسمي طاري
■ الاستشراق والتشيّع
جهاد سعد
■ قراءة نقديّة في كتاب: «تاريخ القرآن» لتيودور نولدكه
موسى خشّاب
■ القرآن في مرآة الأنثروبولوجيا المادّيّة قراءة نقديّة في كتاب جاكلين الشابي، (ربُّ القبائل: إسلام محمّد)
محمد بنعمارة
الافتتاحية
بسم الله الرحمن الرحيم
المحمولات السياسيّة للاستشراق
يبدو أنّنا لا نجافي الحقيقة إذا قلنا إنّه لا يوجد ما اصطُلح عليه «الاستشراق الإيجابيّ»؛ بمعنى ندرة وجود الباحث الغربيّ الموضوعيّ في قضايا الشرق؛ لأنّ ما قدّمه المستشرقون من بحوثٍ ودراسات حول الشرق؛ فكرًا وإنسانًا وحضارةً، لا يخرج عن كونه أيديولوجيا تستند أو ترتبط أو تخدم المعرفة الغربيّة والمشروع الاستعماريّ متعدّد الأشكال والألوان...، وبالتالي هي في الأصل شكل من أشكال التغريب المعنيّ أساسًا بتقديم الشرق بكلّ مكوّناته وتراثه وفق منهجيّة معرفيّة غربيّة، ورسم روح الشرق وكيانه بريشة الفنان الغربي المحمّل بخلفيّات فلسفيّة وفكريّة وأحكام مسبقة حول الإنسان، والحياة والوجود، مصدرها الحضارة الغربيّة.
وحتى ذلك الدور الذي اعتبره بعض الباحثين إنجازًا وخدمةً للتراث الشرقي عمومًا، والمتمثّل بقيام جماعة من المستشرقين بتقديم خدماتٍ معرفيّة لصالح العرب والمسلمين، لناحية جمع (وسرقة) كمّيّة من المخطوطات وتحقيقها وتبويبها، وحفظها في المكتبات الغربية ثمّ ترجمتها، أو إنشاء المعاجم والفهارس، وتسهيل تقنية البحث العلمي، فإنّ هذه الأعمال ونحوها ما هي في الحقيقة إلّا حلقة من حلقات المشروع الاستشراقيّ التراكميّ والجماعيّ الذي تتحكّم به الذهنيّة الغربيّة، ويعتمد منهجًا معيّنًا ومدرسة للتحليل والتفسير، التي تمهّد الطريق وتفتح الأبواب البحثيّة نحو الانقضاض على الشرق وتهيئة أدوات الهيمنة والسيطرة المتحكّمة بعقول الغربيين وثقافتهم.
****
صحيح بأنّ «الدلالة الاصطلاحيّة للفظة الاستشراق تبدو عاديّة، وتعني ذلك العلم الذي يدرس لغات شعوب الشرق وتراثهم وحضاراتهم ومجتمعاتهم وماضيهم وحاضرهم»، إلا أنّ المشروع العلمي الكبير والتوجّه البحثي والتحقيقيّ التفصيليّ الذي أولاه الغرب أهمّيًة خاصًة لمعرفة الشرق بكلّ مكوّناته قد وُلد محمّلًا بأثقال الغرب ومخلّفاته، وهو المناقض في وجوده لمنظومة القيم الإنسانيّة والاجتماعية. والذي ليس أقلّها الاستناد إلى حاكميّة المركزيّة الغربيّة التي ترى نفسها المرجع والمعيار في تقويم الآخر والحكم على خصائصه ومميّزاته الأنثروبولوجيّة.
فإنّ علم الاستشراق يرتبط على مستوى التوظيف بما هو أيديولوجيّ وسياسيّ استعماريّ، وهو ما نقرأه بوضوح في العديد من الدراسات الغربيّة التي تعتبر أنّ الاستشراق منظومة متكاملة ومترابطة تبذل جهودًا متضافرة لتمهّد الطريق لتحقيق أهداف معيّنة محدّدة مسبقًا من قبل الاستعمار الغربيّ، وخدمةً للآلة الاستعماريّة الغربيّة. وقد عبّر عن هذه الحالة إدوارد سعيد الذي اعتبر أنّ «الاستشراق كأسلوب غربي للسيطرة على الشرق، واستبنائه، وامتلاك السيادة عليه».
بالعودة إلى محور الكلام المتعلّق بالمحمولات السياسية للاستشراق، يتّضح للقارئ فضلًا عن الباحث أنّ الاستشراق جزء لا يتجزّأ من أدوات الهيمنة الغربيّة التي وظّفت جميع مشاريع وبرامج دراسة الشرق ومعرفته لخدمة الهيمنة الاستعماريّة. كما إنّ مراكز الأبحاث المتخصّصة أو المعنيّة بالاستشراق هي بمثابة غرف تفكير معمّقة تقدّم المشورة لصنّاع القرار الغربيّين في التعامل مع كلِّ ما يصدق عليه عنوان: «الشرقيّ، العربيّ، الإسلامي». إذ لم يغِب عن مهندسي الفكر الغربي الذين رسموا معالم خارطة الحركة الاستشراقيّة وأهدافها في العالم ثنائيّة التفوّق الغربيّ والقصور الشرقيّ، وما يترتّب عليها من سياسة الإخضاع والتبعيّة والهيمنة.
****
الأكثر وقاحةً في الممارسات الغربيّة تجاه مجتمعات الشرق، تلك المنحة الأخلاقيّة المصطنعة التي يمنّ بها الغرب المتحضّر على الشرق المتخلّف، إذ بعد تصوير الشرق كعالم بعيد عن الحضارة والمدنيّة، وتقديمه كفضاء غارق في التخلّف وعاجز عن إدارة أموره وموارده، تُفتح أبواب الفرج من ناحية الغرب الملبّس بالإنسانيّة والرحمة، وتأتي مِنَنه الأخلاقيّة والإنسانيّة خير منقذ من التخلّف والهلاك وضياع الموارد أو هدرها.
وتحت مظلّة دعوى حماية الشعوب والحرص على رقيّها وتمدّنها، والاستفادة العلميّة من مواردها، تدخل المؤسّسات الغربيّة بعناوين متعدّدة وتخترق جميع مفاصل المجتمع على مستوى الناس، وما تحتاجه من مرافق الدول ومؤسّساتها، وهكذا يتحقّق الاستعمار بألوانه وأشكاله المتنوّعة بشكل تدريجي.
****
ولم يختلف الاستشراق الجديد عمّا سبقه في أصل المشروع والأهداف والهويّة المعرفيّة. نعم، لم يقتصر على دراسة التراث والمجتمع واللغات القديمة، بل انتهج لنفسه منهجًا جديدًا يعمل على صياغة الاستراتيجيّات بعيدة المدى، ووضع سياسات الهيمنة الحديثة، والانغراق في العولمة، وتصوير الحداثة ونمط الحياة الغربي، والأخطر من كلّ ذلك السعي لإعادة تشكيل البنى الثقافيّة والتربويّة والاجتماعيّة والسياسيّة للعالمين العربيّ والإسلاميّ، ومحاولة هندسة الخطاب الدينيّ وصياغة إسلام متوافق مع العولمة، ومع المتطلّبات البنيويّة للنموذج الغربي، وأنموذج القيم الليبراليّة الغربيّة.
وكان من المأمول في العقود الأخيرة في ظلّ التقدّم الملحوظ في العديد من مجالات البحوث الإنسانية، وتطوّر البنيان المعرفي في المعارف الإنسانيّة التي اكتُسبت بفعل العمليّة البحثيّة المستمرّة والنشطة في العلوم الإنسانيّة وقضايا الإنسان، طروء تغيير في الذهنية الغربيّة واستحداث منهجيّات جديدة وشفّافة في دراسة الشرق. ولكن لم يُلحظ تغيّر في الأفكار والتصوّرات الراكدة في المخيال الغربيّ والمتحكّمة في الخارطة المعرفية للمستشرقين وما ينتج عنها من فهم مشوّه للإنسان الآخر الذي يعيش في الشرق.
* * * *
بناءً على ما أشرنا إليه في هذه العجالة يمكن الركون إلى حقيقة مفادها أن رجال السياسة في الغرب بما يمثّلون من دول وحكومات ظلّوا على صلة وثيقة بالباحثين والأساتذة من المستشرقين المنتشرين في مراكز الدراسات والجامعات قبل اتّخاذ القرارات السياسيّة المفصليّة والرئيسة الخاصّة ببلدان العالمين العربيّ والإسلاميّ وشعوبهما.
وهذا هو التوصيف الدقيق لتوظيف الاستشراق في خدمة السياسة والحروب والاستعمار والهيمنة الاقتصاديّة والسياسيّة بكل آثارها ومفاعيلها في البلدان والشعوب. ولا نبالغ إذا كرّرنا ما أشار إليه بعض الباحثين أنّه يمكن أن نصطلح على بعض مراحل الاستشراق «بالاستشراق الاستعماري»؛ بمعنى ارتباط دراسات الغرب للشرق بأهداف الهيمنة السياسيّة والعسكريّة، وتوفير قاعدة بيانات معرفيّة كبيرة لتبرير السيطرة الاستعماريّة الأوروبيّة على بلدان العالم الإسلاميّ وغيرها.
وكذا الحال عندما نستخدم مصطلح «الاستشراق التبشيريّ»؛ بمعنى تسخير واستثمار الدراسات البحثيّة الغربيّة للتراث الشرقيّ والإسلاميّ لخدمة أهداف الحركات التبشيريّة المسيحيّة. والغاية المبتغاة؛ العمل على تفريغ الهويّة وضعضعتها، بإثارة الشبهات والخلافات الفكريّة والمذهبيّة في المجتمعات المسلمة وإضعاف تماسكها. وإلّا كيف نفهم ونفسّر الجهود الكبيرة لهذه الأعداد من المستشرقين الموجّهين أو المرسلين من الكنيسة ومن أبرز غاياتهم التشكيك في ثوابت الدين الإسلامي، والطعن في القرآن الكريم والسنّة النبويّة الشريفة وسيرة النبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وتفكيك البنية الفكريّة والثقافيّة للمسلمين تحت غطاء البحث العلميّ والموضوعيّة الأكاديميّة.